جمال الدين بن نباتة المصري

97

سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون

الخيل والنّعم ورحلوا ، فرحل معهم ، فظهر أمر قتل كليب ، ولما أفاق مهلهل فصحّح الخبر ، واجتمعت إليه وجوه قومه ، فقالوا : لا تعجلوا على قومكم حتى تعذروا « 1 » بينكم وبينهم ؛ فانطلق رهط من أشرافهم حتى أتوا مرّة بن ذهل ، فعظّموا ما بينهم وبينه ، وقالوا : اختر منّا خصالا ، إمّا أن تدفع إلينا جسّاسا فنقتله بصاحبنا - فلم يظلم من قتل قاتله - وإما أنّ تدفع إلينا همّاما فنقتله ، وإمّا أن تقيدنا من نفسك ؛ فسكت وقد حضرته وجوه بكر فقالوا : تكلّم غير مخذول ! فقال : أمّا جسّاس فإنه غلام حدث السنّ ، ركب رأسه ؛ فهرب حين خاف ، ولا علم لي به . وأمّا أخوه همّام فأخو عشرة ، وأبو عشرة ، ولو دفعته لكم لصيّح بنوه في وجهي ، وقالوا : دفعت أبانا ليقتل في ثأر غيره ؛ وأمّا أنا فلا أتعجل الموت ، وهل تزيد الخيل على أن تجول جولة ؛ فأكون أوّل قتيل ! ولكن هل لكم في غير ذلك ؟ هؤلاء بنىّ ، فدونكم فخذوا أحدهم فشدّوا نسعة « 2 » في رقبته فاقتلوه ، وإن شئتم فلكم ألف ناقة . فغضبوا وقالوا : إنّا لم نأتك لتبذل لنا بنيك ، أو لتسومنا اللّبن ! فتفرّقوا . فقام مهلهل وشمّر للحرب ، وبدا القتل ، واستحرّ بين الفريقين إلى أن كان يوم واردات ، وقد عظم القتل في بكر ، فاجتمعوا إلى الحارث بن عباد بن مالك - وكان قد اعتزل الحرب ، وقال : لا ناقة لي فيها لا جمل ؛ فذهبت مثلا - فقالوا له : قد فنى قومك ؛ فأرسل ابنه بجيرا - وقيل : ابن أخته - إلى مهلهل ، وقال له : قل له : أبو بجير يقرئك السّلام ، ويقول لك : قد علمت أنّى قد اعتزلت قومي ؛ لأنهم ظلموك ، وخلّيتك وإيّاهم ؛ وقد أدركت وترك « 3 » ، وقتلت قومك .

--> ( 1 ) حتى تعذروا ؛ أي يكون لكم عذر . ( 2 ) النسعة : سير مضفور يجعل زماما للبعير . ( 3 ) ط : « ثأرك » .